Deocumin Logo
مقالة

الاستراتيجية التي لا تُقرأ… والاستراتيجية التي تُدار

في مكتب المدير التنفيذي لكثير من الجمعيات ملف أنيق عنوانه «الخطة الاستراتيجية»، أُعد في ورشة استمرت يومين بفندق، وطُبع بألوان الهوية، ثم استقر على الرف. تُفتح صفحاته مرتين في السنة: حين يطلب المانح نسخة منه، وحين تسأل جهة الإشراف عن مؤشرات الأداء. وبين المرتين تُدار الجمعية بالبريد الوارد والطوارئ والمواسم. ليس السبب أن القيادة لا تؤمن بالتخطيط، بل أن الوثيقة صُممت لتُعتمد لا لتُدار: أهدافها عامة، ومبادراتها بلا مالك، وأرقامها لا يمكن قياسها في نهاية الربع الأول.

من هنا جاء اسم ستراتيجيز تايم: «حان وقت الاستراتيجية». الفكرة أن بناء الاستراتيجية ليس حدثًا سنويًا مكلفًا، بل خدمة يمكن أن تُنجز خلال عشرة أيام عمل إذا تولت الأتمتة ما يستهلك وقت الاستشاري: جمع البيانات، وتحليل التقارير، وإرسال استبانات أصحاب المصلحة وتحليلها، وصياغة المحاور والأهداف بصيغ قابلة للقياس، واختبار الاتساق بين الأهداف والمؤشرات والمبادرات. ما يبقى للبشر هو ما يستحق وقتهم: جلسة قرار واحدة مع القيادة، ومراجعة مستشار استراتيجي للوثيقة قبل أن تصل إلى مجلس الإدارة.

يبدأ العمل بالتشخيص لا بالأمنيات. يقرأ وكيل التشخيص النظام الأساسي والتقارير السنوية والمالية للسنتين الأخيرتين، ويرسم صورة الجمعية كما هي: أين تنفق، وأين تحقق أثرًا، وأين تتكرر المشكلات. ثم يرسل استبانة قصيرة لأصحاب المصلحة، من أعضاء المجلس إلى المستفيدين، برابط مخصص لكل فئة، ويحلل الإجابات في تقرير يوضح ما يراه الداخل وما يراه الخارج، والفجوة بينهما. هذا التقرير وحده يغيّر نقاش القيادة، لأنه يستبدل الانطباعات بالأرقام.

ثم تُبنى الهندسة الاستراتيجية بترتيب صارم: توجه عام، فمحاور لا تزيد عن خمسة، فأهداف لكل محور، فمؤشر واحد على الأقل لكل هدف بمستهدف سنوي. ويرفض النظام آليًا أي هدف بلا مؤشر، وأي مؤشر بلا مصدر بيانات، وأي مبادرة بلا مالك وميزانية تقديرية ومدة. وهذا الرفض الآلي هو ما يميز الاستراتيجية التي تُدار عن التي تُقرأ؛ فالوثيقة التقليدية تسمح بجملة مثل «تعزيز الشراكات»، أما هنا فتتحول إلى «توقيع خمس شراكات تمويل بقيمة إجمالية محددة بنهاية السنة الثانية».

تُستمد المحاور من الواقع لا من قوالب جاهزة. تُقارن الأهداف بالأولويات الوطنية للقطاع غير الربحي ومستهدفات رؤية المملكة 2030 المتعلقة بالمساهمة في الناتج المحلي والتطوع والأثر الاجتماعي، فيرى المانح أين تقع الجمعية على الخريطة الوطنية، وترى الجمعية أي برامجها يسير في اتجاه الدعم وأيها يسبح ضده. وتُرتّب المبادرات في محفظة واحدة بأولوية تجمع بين الأثر والكلفة والجاهزية، فيعرف المجلس ما ينفذ في السنة الأولى وما يؤجل، بدل قائمة أمنيات تنتهي بجملة «حسب توفر الموارد».

حالة تطبيقية: جمعية متوسطة الحجم في منطقة القصيم كانت تملك استراتيجية سابقة بستة عشر هدفًا عامًا لم يُقس منها شيء. بعد التشخيص واستبانة شملت 140 من أصحاب المصلحة، خرجت باستراتيجية من أربعة محاور وأحد عشر هدفًا لكل منها مؤشر ومستهدف سنوي، ومحفظة من تسع مبادرات مُكلَّفة، واعتمدها المجلس في اجتماع واحد. وفي أول مراجعة ربع سنوية اكتشفت القيادة أن مبادرتين تأخرتا لغياب التمويل، فأعادت ترتيب الأولويات قبل أن يمضي نصف السنة.

وتتابع الجمعية مع ستراتيجيز تايم مؤشرات واضحة: نسبة الأهداف التي حُدّثت مؤشراتها في موعدها كل ربع سنة، ونسبة المبادرات المنفذة وفق جدولها، وزمن إعداد تقرير التقدم للمجلس، وعدد القرارات التي اتُّخذت بناءً على المراجعة الربع سنوية. وتُعرض هذه المؤشرات على مجلس الإدارة لوحةً واحدة، فتصبح الاستراتيجية جزءًا من كل اجتماع لا ملفًا يُفتح في نهاية السنة، ويتحول التخطيط من موسم إلى عادة مؤسسية تنتقل مع تغيّر الأشخاص.

الجزء الذي يجعل الاستراتيجية حية يأتي بعد الاعتماد. يرسل وكيل المتابعة كل ربع سنة طلبًا لتحديث المؤشرات إلى مالكي المبادرات، ويولّد تقرير تقدم من صفحة واحدة يصل إلى المجلس قبل اجتماعه: ما تحقق، وما تأخر، وما يحتاج إلى قرار. وبهذا لا تنتظر الجمعية ثلاث سنوات لتكتشف أن الخطة انحرفت في شهرها الرابع. الاستراتيجية التي تُدار هي التي تُسأل عنها كل ربع سنة؛ وذاك بالضبط ما يعنيه أن يحين وقتها.

خلاصة: حان وقتُ الاتجاه — بناء الاستراتيجية للجهات غير الربحية، بسعر موحّد 6,900 ريال للاستراتيجية الكاملة (3–5 سنوات)؛ مراجعة نصف سنوية اختيارية 900 ريال، وزمن تسليم الاستراتيجية الكاملة خلال 10 أيام عمل من اكتمال المدخلات؛ المراجعة الربع سنوية خلال 24 ساعة.

شارك المقالة عبر واتساب

هل تريد تطبيق ذلك في جمعيتكم؟

اطلب الخدمةاستفسرشاهد العرض